أَجْدَبَتْ أرضُ قلبي وثَقُلَ بي السيرُ لقطع تلك المفاوز القاحلة، أين المفر؟ وأين المأوى وحرارة الجهل تشتد، ولا ماء يروي الظمأ!.
واصلتُ المسير فرارًا إلى الله؛ لعلي أكون كصاحبنا الأول الذي أوى إلى الله فآواه الله. ولكن أين هذا المأوى؟ يجيبك حديث أبي واقد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلموَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ». أخرجه البخاري برقم: (66), ومسلم برقم: (2176).
إنها حِلَقُ العلم ومجالسُه؛ منارات الحيارى، نجوم يهتدي به السائرون إلى الله. ترددت لحظة لكثرة السائرين وزحامهم على هذا المأوى. فهتف بي حديث أبي واقد مرة أخرى يحذرني من عاقبة الإعراض عن تلك المجالس قال لي: إنَّك إنْ فعلت أعرض عنك الله. يا الله! وكيف أهتدي إنْ أعرضَ عني الله؟!.
أقبلتُ أشربُ من جداول الوحي التي تلألأت بماء السماء وأخذت تدار على الجالسين في تلك الحلق، ماء الكتاب والسنة. شربتُ حتى ارتويت ثم أقبلت أسقي أرض قلبي المجدبة فأنبتت زرع الإيمان، فتجلت ثماره على اللسان والجوارح. ثم أخذتُ أُجْري تلك الجداول إلى قلوب أجدبت كقلبي، لِيَنْبُتَ فيها الإيمان ولِيُعْبَدَ الرحمن. مشهدُ قلبي وتلك القلوب صوَّره حديث أبي موسى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» أخرجه البخاري برقم: (79). مسلم برقم: (2282).، فالعلم ماء السماء يسقي القلوب. واحذر ألا يَقبلَ قلبك ذلك النقاءَ فتبقى أرضه أجادب وقِفارًا ممحلة لا نور فيها.